السيد الطباطبائي

43

نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )

كمن كان قاعدا تحت جدار يريد أن ينقضّ عليه ، فإنّه يقوم خوفا من انهدامه عليه ، أو كانا مستندين إلى إجبار مجبر ، كمن كان قاعدا مستظلّا بجدار ، فهدّده جبّار أنّه إن لم يقم هدم الجدار عليه ، فإنّه يقوم خوفا من انهدامه عليه . والفعل في الصورتين إراديّ ، والتصديق على نحو واحد . ومن هنا يظهر أنّ الفعل الإجباريّ لا يباين الفعل الاختياريّ ، ولا يتميّز منه بحسب الوجود الخارجيّ ، بحيث يصير الفاعل بالجبر قسيما للفاعل بالقصد . فقصارى ما يضعه المجبر أنّه يجعل الفعل ذا طرف واحد ، فيواجه الفاعل المكره فعلا ذا طرف واحد ليس له إلّا أن يفعله ، كما لو كان الفعل بحسب طبعه كذلك . نعم العقلاء في سننهم الاجتماعيّة فرّقوا بين الفعلين حفظا لمصلحة الاجتماع ، ورعاية لقوانينهم الجارية المستتبعة للمدح والذّم والثواب والعقاب . فانقسام الفعل إلى الاختياريّ والجبريّ انقسام اعتباريّ لا حقيقيّ . ويظهر أيضا أنّ الفاعل بالعناية من نوع الفاعل بالقصد ، فإنّ تصوّر السقوط ممّن قام على جذع عال - مثلا - علم واحد موجود في الخائف الّذي أدهشه تصوّر السقوط فيسقط ، وفي من اعتاد القيام عليه بتكرار العمل فلا يخاف ولا يسقط ، كالبنّاء - مثلا - فوق الأبنية والجدران العالية جدّا . فالصاعد فوق جدار عال القائم عليه يعلم أنّ من الممكن أن يثبت في مكانه فيسلم أو يسقط منه فيهلك ، غير أنّه إن استغرقه الخوف والدهشة الشديدة وجذبت نفسه إلى الاقتصار على تصوّر السقوط سقط ، بخلاف المعتاد بذلك ، فإنّ الصورتين موجودتان عنده من دون خوف ودهشة ، فيختار الثبات في مكانه فلا يسقط . وفقدان هذا الفعل العنائيّ للغاية الصالحة العقلائيّة لا يوجب خلوّه من مطلق الداعي ، فالداعي أعمّ من ذلك - كما سيأتي في الكلام على اللعب والعبث [ 1 ] - .

--> ( 1 ) راجع الفصل الثاني عشر والثالث عشر من هذه المرحلة .